التراث الثقافي والتكنولوجيا
مستقبل المتاحف: صون الثقافة الحية لا القطع وحدها
لا يقتصر التراث الثقافي على القطع المعروضة في الواجهات الزجاجية. فبرامج المتاحف التي تحفظ أيضاً التقاليد والحكايات ومعارف الحِرَف هي التي ترسم الخطوة التالية في التحول الرقمي.

خلال سنوات عملنا على أنظمة إدارة المتاحف والمجموعات، كثيراً ما واجهنا الوضع نفسه: تركّز مشاريع الرقمنة في الغالب على تسجيل القطع. أرقام الجرد والصور والأبعاد وأماكن التخزين ومعلومات العرض تُدار كلها بعناية كبيرة. وللأسف، لا يزال كثير من المتاحف يحصر الرقمنة في المتحف الافتراضي.
ولكن هل يتكوّن ما نسميه التراث الثقافي حقاً من القطع والبرامج التي تتيح التجول بينها افتراضياً فقط؟
إن ركوة قهوة نحاسية (جزوة) معروضة في متحف قطعة مهمة من تراثنا الثقافي. لكن طريقة استخدامها، والثقافة الاجتماعية التي نشأت حول القهوة، والتقاليد والحكايات المتوارثة جيلاً بعد جيل، لا تقل قيمة عن القطعة نفسها.
الوجه الخفي للتراث الثقافي
تعرّف اليونسكو التراث الثقافي غير المادي بأنه المعارف والمهارات والممارسات وأشكال التعبير الثقافي التي تتوارثها المجتمعات جيلاً بعد جيل. وتهدف اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003 إلى حماية هذا المجال على المستوى الدولي.
يشمل التراث الثقافي غير المادي الحرف التقليدية والرقصات الشعبية والموسيقى والتقاليد الشفهية والطقوس والمهرجانات وثقافة المطبخ المحلي ومعارف الحِرَف.
ومن اللافت أن ركوة القهوة التي ذكرناها في البداية قطعة مادية، أما «ثقافة القهوة التركية وتقاليدها» فمدرجة في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي. أي أن ما يُصان فعلاً ليس الركوة نفسها، بل المشاركة التي نُسجت حولها عبر القرون.
إن براعة معلّم الخزف، وأسلوب الحكواتي (المدّاح)، أو تقليداً حافظت عليه منطقة ما لقرون، قد تكون أكثر هشاشة بكثير من قطعة يمكن عرضها مادياً. فهذه المعارف قد تختفي تماماً إن لم تُنقل.
الرقمنة وحدها لم تعد كافية
تنقل مؤسسات كثيرة اليوم مجموعاتها إلى العالم الرقمي، وهذه خطوة بالغة الأهمية. لكن إنشاء جرد رقمي وحده لن يكون كافياً لمتاحف المستقبل.
لصون ممارسة ثقافية لا بد أيضاً من توثيق التسجيلات المرئية والأرشيفات الصوتية والمقابلات وعلاقات المعلّم بالمتعلّم والسياق الجغرافي ومعلومات استخدامها في المجتمع. فما يجب أن نصونه حقاً ليس «القطعة» وحدها، بل المعرفة والتجربة اللتين تمثلهما.
المهمة الجديدة لبرامج المتاحف
بصفتنا شركة تطوّر تقنيات المتاحف، نشهد في السنوات الأخيرة تحولاً مهماً. فأنظمة إدارة المجموعات يجب أن تكون قادرة على إدارة العمليات الثقافية لا القطع فقط.
فعلى سبيل المثال، يجب ألا يقتصر سجل رقصة شعبية على صور الأزياء، بل أن يشمل أيضاً:
- المنطقة التي تُؤدّى فيها الرقصة،
- المجتمعات التي تؤديها،
- الموسيقى المستخدمة،
- التسجيلات المرئية،
- مراحل التعليم،
- حمَلة التقليد
وكل هذه المعلومات يجب أن تُحفظ أيضاً.
وبالمثل، من المهم جداً في الحرف التقليدية توثيق عملية الإنتاج ومعارف الحِرفي، لا المنتج النهائي وحده.
لماذا لا تكفي بنية الجرد التقليدية؟
نودّ هنا التوقف عند نقطة تقنية لكنها حاسمة. فأنظمة إدارة المجموعات التقليدية لها بنية بيانات ثابتة صُممت أساساً لتسجيل القطع المادية: رقم الجرد، والأبعاد، والمادة، والوزن، والحالة، وموقع التخزين…
هذه البنية مثالية لتسجيل ركوة نحاسية أو طبق من الخزف. لكن عندما تحاول تسجيل رقصة شعبية أو ملحمة شفهية أو معارف إنتاج لدى حِرفي بالحقول نفسها، ينهار النموذج. فالرقصة الشعبية ليس لها «حجم» أو «وزن»، بل لها منطقة ومجتمع يؤديها وموسيقى وتسجيل مرئي وحمَلة تقليد.
ومحاولة حشر التراث غير المادي في قالب صُمم للقطع إما أن تُضيّع المعلومات أو تجعلها غير قابلة للتعرّف.
يجب أن يحدد المتحف نفسه بنية البيانات، لا الشركة التي تصنع البرنامج.
ينبغي أن يُوثَّق كل تعبير ثقافي بنموذج بيانات يلائم طبيعته.
إسهام موسيليرا في هذا المجال
كانت هذه بالضبط نقطة انطلاقنا عند تطوير موسيليرا: كل متحف وكل مجموعة وكل نوع من القطع فريد من نوعه.
لذلك يقع محرك أنواع قطع مرن في قلب موسيليرا. فبدلاً من التقيّد بالحقول الجاهزة التي يفرضها البرنامج، تستطيع المؤسسة أن تعرّف بحرية أنواع القطع الخاصة بها وحقولها. وبالنسبة إلى التراث غير المادي يعني ذلك أنك تستطيع إنشاء أنواع سجلات خاصة بك تماماً مثل «رقصة شعبية» و«حرفة تقليدية» و«تراث شفهي» و«طقس» و«مطبخ محلي»، وتحديد الحقول التي يحتاجها كل منها بنفسك.
- نماذج بيانات للعمليات الثقافية: فكّر في سجل الرقصة الشعبية الذي ذكرناه أعلاه: المنطقة والمجتمع المؤدي والموسيقى ومراحل التعليم وحمَلة التقليد، لكل منها حقله الخاص. وفي سجل الحرفة يمكن حفظ مراحل الإنتاج ومعارف الحِرفي كلٌّ على حدة.
- حقول معرّفة مسبقاً ومتعددة الاختيار: استخدام القوائم القياسية بدلاً من النص الحر يجعل البيانات متسقة وقابلة للمقارنة والبحث، فتصبح مصدراً لا يقدّر بثمن للباحثين.
- سجلات وسائط متعددة غنية: يمكن حفظ أرشيفات الفيديو والصوت والصور والمقابلات جزءاً لا يتجزأ من السجل. ففي التراث غير المادي كثيراً ما تعيش المعرفة في الصورة والصوت لا في النص.
- السياق الجغرافي: بفضل وحدة الخرائط والمواقع يمكن تحديد المنطقة التي يعيش فيها تقليد ما وكيفية انتشاره على الخريطة.
- الربط والتجميع: يمكن ربط التقليد بالمعلّمين الذين يحافظون عليه وبالقطع والمناطق والسجلات ذات الصلة. وبذلك لا تُحفظ سجلات معزولة، بل الشبكة الحقيقية للسياق المحيط بالثقافة.
- سلامة البيانات: يضمن التحقق من السلامة القائم على البلوك تشين توثيق من سجّل ماذا ومتى، فيحافظ على ثبات السجلات الثقافية عبر الزمن.
وبالطبع لا يكفي أن تبقى هذه السجلات في الأرشيف. فبفضل الأكشاك وأدوات المعارض الإلكترونية يمكن مشاركة هذه الثقافة الحية الموثقة مع الزوار ومع الأجيال القادمة.
التكنولوجيا والاستدامة الثقافية
تقدم تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والأرشفة الرقمية وإدارة الوسائط المتعددة وتوحيد معايير البيانات فرصاً جديدة في مجال التراث الثقافي.
إن تقليداً يُوثَّق بشكل صحيح اليوم يمكن أن يدرسه الباحثون، ويُستخدم في المواد التعليمية، ويُنقل إلى الأجيال القادمة، ويسهم في مشاريع السياحة الثقافية. فغاية التكنولوجيا ليست تخزين البيانات فحسب، بل ضمان استدامة الذاكرة الثقافية.
الخلاصة
في المستقبل لن يُقاس نجاح المتاحف بعدد القطع التي تضمها فحسب، بل بمدى شمولية صونها للذاكرة الثقافية.
فالتراث الثقافي لا يقتصر على القطع المعروضة في الواجهات.
إن الثروة الحقيقية لأي مجتمع تكمن في حكاياته وتقاليده وطقوسه وحِرَفه، وفي المعارف التي يتوارثها جيلاً بعد جيل.
الخطوة التالية في التحول الرقمي تتجاوز صون القطع بكثير: إنها صون الثقافة الحية.
والتكنولوجيا التي تجعل ذلك ممكناً هي الأنظمة المرنة التي تضع بنية البيانات في يد المؤسسة. وبهذه الرؤية نطوّر موسيليرا.
